علي الهجويري

412

كشف المحجوب

يسل سيفه ويقطع قوائم جمله ويكسر سيفه كأنه يقول أنى احتجت للجمل ليحضرنى إلى مجلسك والسيف ليقتل الأعداء الذين يمنعونى عن تقديم الشكر لك وحيث أنى وصلت إلى هنا فإني أقتل جملي رغبة في عدم فراقك وأكسر سيفي لأنى لا أحب أن يشتغل فلبى بالبعد عنك ، ثم بعد مضى أيام قلائل يلقى قصيدته وكذلك فإن سيدنا موسى عليه السّلام لما بلغ درجة التمكين وسقطت منه ألوان التلوين أمره الله تعالى بأن يخلع نعليه ، وأن يلقى عصاه قائلا : إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً « 1 » وهذا لكونهما عدة السفر وهو في حضرة ربه فأول المحبة طلب وآخرها سكون ، والماء إنما يجرى في مجرى النهر حتى إذا وصل إلى المحيط وقف تياره وتغير طعمه فمن طلب الماء لشربه ابتعد عنه ، أما في طلب اللؤلؤ فإنه يجاهد نفسه ويضع حبل الطلب في رأسه ويغوص تحت الماء برأسه مجدا في نيل اللؤلؤ ، فإما يجده وإما يفقد نفسه العزيزة . قال بعض المشايخ « التمكين رفع التلوين » والتلوين هو اصطلاح صوفي متصل بمعنى التمكين كما أن الحال متصل بالمقام والمقصود من التلوين هو التغير والتحول من حال لآخر ، يعنى أن المتمكن ليس بمتردد لأنه قدم كل ما يملك لحضرة الله تعالى ومحا من قلبه كل فكر في غير الله حتى أن كل عمل يمر عليه لا يعتبر ظاهره وكل حال لا يغير باطنه ولذلك فسيدنا موسى عليه السّلام كان عرضة للتلوين حيث صعق لما تجلى ربه لجبل سيناء كما قال وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً « 2 » . أما سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم فمتمكن حيث أنه لم تتغير حاله مع مكاشفة الحق له بجماله وجلاله من مكة إلى قاب قوسين وهذه درجة أعلى والله أعلم . والتمكين على نوعين أحدهما يشير إلى شاهد الحق والآخر إلى شاهد

--> ( 1 ) سورة طه آية 12 . ( 2 ) سورة الأعراف آية 143 .